عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
244
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
السؤال ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ومحو الضلال ، صلى اللّه عليه وسلم بالغدو والآصال ، قال اللّه تعالى : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران : 144 ] الآية ، قال القشيري في تفسيره والسلمي في حقائقه : سقمت البصائر عند وفاة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا رجلا واحدا وهو أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه فإن اللّه تعالى أيده بقوة السكينة فقال : من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات فصار الكل مقهورين تحت سلطان مقالته لما بسط اللّه عليه من نور جلالته كالشمس بطلوعها يندرج فيها شعاع أنوار الكواكب ، قال القشيري : وإنما قال أفإن مات أو قتل لأنه مات وقتل أيضا بالسم الذي أكله يوم خيبر من الشاة المسمومة ، قال الرازي : بين اللّه تعالى في آيات كثيرة أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لا يقتل قال تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ [ الزمر : 30 ] وقال تعالى : وَاللَّهُ مِنْ [ المائدة : 67 ] والمقصود من الآية أن أتباع الرسل المتقدمين ما تغيروا عن دينهم بعد موت أنبيائهم فكذلك كونوا أنتم مثلهم قال اللّه تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ آل عمران : 146 ] أي ما خافوا وَما ضَعُفُوا [ آل عمران : 146 ] أي ما ضعفت قلوبهم وَمَا اسْتَكانُوا [ آل عمران : 146 ] أي ما أظهروا البدع ، والآية نزلت في غزوة أحد كان أمير المشركين أبا سفيان وخالد بن الوليد مع منتميهم فرمى عبد اللّه بن تميمة حجرا فشج وجه النبي صلى اللّه عليه وسلم ورأسه وكسر رباعيته وقصده بالسيوف ومعه جمع كثير فذب عنه مصعب بن عمير رضي اللّه عنه واحتمله طلحة ووقف أبو بكر في وجهه بالسيف ثم أدركوا ابن تميمة فقطعوه قطعا قطعا وصاح إبليس لعنه اللّه ألا وإن محمدا قد قتل فانهزم المسلمون فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك رضي اللّه عنهما إن قتل محمد فربه حي فما تصنعون بالحياة بعد نبيكم وكان قد انهزم جماعة منهم عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وثبت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبعة من المهاجرين أبو بكر وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد اللّه وأبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام رضي اللّه تعالى عنهم وسبعة من الأنصار الحباب بن المنذر بالحاء المهملة وأبو دجانة بالجيم وعاصم بن ثابت والحرث بن المنذر وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي اللّه عنهم ، ثم إن اللّه تعالى عفا عن المنهزمين قال عثمان بن عفان لما عوتب على هزيمته قد أخطأنا وعفا اللّه عنا فلا تقرعونا بذنوبنا ثم قرأ قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [ آل عمران : 155 ] ثم لم يفروا بغضا من الموت ولا رغبة في الحياة وإنما أذكرهم الشيطان ذنوبهم فكرهوا لقاء اللّه تعالى على تلك الحال وخطر ببالهم أن لقاء اللّه تعالى على التوبة أولى من لقائه مع الذنوب ، وقيل لما أخطئوا بمفارقة المكان الذي أمرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن لا يبرحوا منه أوقعهم الشيطان في ذنب منه آخر وهو الهزيمة لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة . قال القرطبي : عرف الناس موت محمد صلى اللّه عليه وسلم لما قرأ أبو بكر رضي اللّه عنه وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران : 144 ] الآية ودلت على شجاعته رضي اللّه عنه . ولما مات صلى اللّه عليه وسلم أظلم من المدينة كل شيء ولما دخل المدينة أضاء